»{::منتدى الشباب فى عالم الحب::}»

احمد تقى الدين يرحب بكم مدير المنتدى
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 عيون وآذان (اخترعنا الصفر لنصف أنفسنا به)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عمر
قمر فى سماء المنتدى
قمر فى سماء المنتدى


عدد الرسائل : 73
العمر : 26
تاريخ التسجيل : 14/08/2007

مُساهمةموضوع: عيون وآذان (اخترعنا الصفر لنصف أنفسنا به)   الجمعة سبتمبر 07, 2007 9:02 am

قبل أيام اتفقت مع صديق عربي زائر في لندن على أن نلتقي صباحاً لشرب فنجان قهوة قبل أن أذهب الى عملي. وكنت واثقاً من أنني سأجد أماكن كثيرة لايقاف سيارتي على العدادات في الصباح، في مقابل بضعة جنيهات، إلا أنني فوجئت بأن العدادات جميعاً عليها أكياس، وملاحظة لأقرأ تعليمات ألصقت على أعمدة النور.
التعليمات نصت على أن أتصل برقم هاتفي، وأعطي رقماً مسجلاً لمنطقة وقوفي، ثم أدفع الأجر المطلوب عبر بطاقة «كريدت».
بلدية لندن تفترض أن كل من يقود سيارته في وسط المدينة يملك هاتفاً محمولاً، وفي جيبه بطاقة «كريدت». وأنا أفترض أن هناك جنون تكنولوجيا، فقد كنا في الستينات نضع قروشاً قليلة في العدادات أصبحت الآن في بعض الشوارع جنيهاً لكل ربع ساعة، وهو سعر أراه مرتفعاً كثيراً، إلا أن الدفع كان سهلاً حتى اقحمت التكنولوجيا فيه.
بصراحة، أنا أكره التكنولوجيا الحديثة ولا أعتذر، لأنه شعور متبادل، فهي تكرهني، وما علاقتي المتوترة مع الكومبيوتر أو «لاب توب» أحمله في الحل والترحال، سوى دليلي على علاقة متوترة، كأننا أميركا وايران.
أعتقد بأن أهمية التكنولوجيا مبالغ فيها والكومبيوتر اخترع لاغاظة عربي مثلي فخور بجذوره وجهله، فأنا لا اشتري «لاب توب» حتى يأتي خلال اسبوعين جهاز أفضل منه. وتجربتي مع الكومبيوتر انه لا يتعطل الا اذا وضعت فيه معلومات مهمة ووثائق، ونسيت أن أضغط زر حفظها فتضيع عندما يتعطل.
الكومبيوتر هو الوجه العصري لتجربة قديمة، فالواحد منا يرى ثياباً أنيقة ويشتريها رغم السعر، ويمر في اليوم التالي أمام المتجر ويجد كلمة «أوكازيون» تغطي زجاجه، وهناك تنزيلات بخمسين في المئة.
ليست التكنولوجيا كلها كومبيوتر، فقبل هذا تعلمنا استعمال الدرج الكهربائي، أو السلم، غير أنه اذا انقطعت الكهرباء يعود درجاً كما كنا نعرف في البيت. ورأيت عربياً، لعله صعيدي أو حمصي، علق على السلم الكهربائي ساعة بعد أن انقطعت الكهرباء.
وأتذكر مع التكنولوجيا المتنبي الذي قال يوماً:
نحن بنو الموتى فما بالنا نخاف ما لا بد من شربه
يموت راعي الضأن في جهله كموت جاليتوس في طبه
الطب تقدم كثيراً، ولكن الناس لا يزالون يموتون، والفرق اننا أصبحنا الآن نعرف أكثر أسباب الموت ونعطيها أسماء طبية، واذا لم يعرف السبب قيل «سرطان»، أو ذلك المرض الخبيث. وكنت أذكر من عواجيز الجبل في لبنان أنهن كن يرفضن ذكر اسمه على اللسان، وإنما تقول الواحدة «هيداك المرض» وتزيد «يا رب تنجينا». اليوم، الفقير يموت وحده، أما الثري فيحتاج الى طبيب يأخذه بيده الى المقبرة التي سماها العرب القدماء بيتاً، ودُويد بن زيد الحميري قال: «اليوم يُبنى لدويد بيته/ لو كان للدهر بلى أبليته/ أو كان قِرني واحداً كفيته».
وكما يرى القارئ فالتكنولوجيا تشدني الى الأمام، وانتمائي يعود بي الى خلف، وبين هذا وذاك ألاحظ أن الطب العربي خَلَفه طب متقدم جداً، خصوصاً جراحة التجميل، وهي أكثر ما تكون في تصغير الأنف وتقويمه للرجال والنساء، وتكبير الصدر، للنساء فقط، وشد الوجه، وهذا أصلاً للنساء، إلا أن الرجال أخذوا يزاحمونهن.
الأنف قد يكون في الأصل باذنجانة، ويصبح بامية، وهو ما فات ابن حرب الذي قال فيه الشاعر: لك أنف يا ابن حرب/ أنِفت منه الأنوف/ أنت في المسجد تصلي/ وهو بالكعبة يطوف.
وتكبير الصدر يقع تحت المثل «يعمل من الحبة قبة»، أما شد الوجه فالمرة الأولى قد تنفع، غير أن التكرار يجعل المرأة تبدو «مشدوهة» وكأنها رأت آرييل شارون يأكل أطفالاً فلسطينيين.
وكنت أعرف امرأة اعتقد بأن الحبل انقطع وهم يشدون وجهها.
أقول إن التكنولوجيا تفيد الى درجة معينة ثم تنقلب على من يطلبها ومن ينكرها، وصدام حسين نسي أننا في عصر التكنولوجيا، فاحتل الكويت وأخذ يتحدث عن «المبارزة» و «المنازلة»، كأنه يعبر النهر لمحاربة الفرس، وجاءته الصواريخ من المحيط الهندي، ومن البحر الأحمر. واحتل الأميركيون العراق معتمدين على التكنولوجيا فقط، وواجهوا ثورة وتمرداً وارهاباً، ولا يزالون يدفعون الثمن حتى اليوم.
الحرب تبقى «شمطاء جزّت شعرها وتنكّرت/ مكروهة للشم والتقبيل» سواء كانت بالسيف والترس، كما اعتقد صدام حسين، أو بطائرات إف – 15 كما يفضل الأميركيون. والفرق ان الانسان أصبح يقتل الانسان بوسائل أكثر تنوعاً.
الى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، يحاول الرجال والنساء إطالة أعمارهم بالعقاقير والفيتامينات وتحسين أشكالهم بجراحة التجميل، ولا غضاضة في ذلك، مع ان التكنولوجيا لم تحل كل مشكلة، مثل أن تموت أم كلثوم وتبقى «المغنيات» اللواتي يقلدنها على قيد الحياة، ومثل زراعة قلب وكبد، ولكن لا زراعة أخلاق، وهي ما يحتاج اليه بعض الناس قبل أي شيء آخر.
بدل أن تساعد التكنولوجيا حيث يجب زادت عدد المجانين، وترى انساناً في الشارع يكلم نفسه، وننتقل الى الرصيف الآخر قبل أن نلاحظ أن هناك سماعة هاتف محمول في اذنه، وأنه مجرد مجنون تكنولوجيا.
أقول إننا خسرنا معركة التكنولوجيا كما خسرنا كل معركة أخرى، ولا يجوز أن نستمر في محاولة اللحاق بركب الحضارة، لأننا حتى اذا عجلنا فسنجد أننا نركض في الاتجاه المضاد، ونبتعد عن الركب يوماً بعد يوم. وقد بلغ بنا الأمر اننا علّمنا العالم الحساب، وخسرنا «الثورة الرقمية»، ويبدو اننا اخترعنا الصفر لنصف أنفسنا به.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
عيون وآذان (اخترعنا الصفر لنصف أنفسنا به)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
»{::منتدى الشباب فى عالم الحب::}» :: قسم العام :: الاخبار-
انتقل الى: